عندما ضللت الطريق إلى المنزل !

SB_Bangkok_03082013_DSC_3287.jpg

عندما ضللت الطريق إلى المنزل … وبكيت كطفل للتو خرج من رحم أمه !

عندما نظرت في أعين المارة وهي تتملقني … وكأنني مسخ ! بل وكأنه يتوجب علي أن اختبيء أو أن أرمي بنفسي أمام إحدى السيارات المسرعة ! لاتخلص من شعوري بالنقص إزاء نظراتهم لي … لم يقترب مني أحد … ولم يسألني أحد لما البكاء يا صغيري !

عندما مشيت والدموع تنهمر وبدت لي كل المخاوف حاضرة ! كل ما حذرتني منه أمي ! وكل ما شدد عليه أبي وأمرني بالابتعاد عنه !بدا لي كل شيء مرعبا ومخيفا !
عندما مشيت وحدي !
عندما انحنى لي شاب في منتصف العمر يسألني عن ما حل بي … فأجبته … وأنا ارتشف دموعي مالحة المذاق لأرطب بها حلقي الجاف … لقد ضللت الطريق لمنزلنا !
فضحك الشاب وكأنه سمع نكتة لا قصتي المأساوية !
أخذ بيدي ! كنت أشدها إلي لكنه كان يطمئنني ويخبرني بأنه سيوصلني إلي بيتنا بأسرع وقت ممكن ! فقد كنت مجهشا بالبكاء لدرجة أنه وفي بعض الأحيان كان يصعب علي التقاط أنفاسي لاختناقي بالدموع وافرازات الأنف المزعجة!

من كان منكم يبكي كثيرا كبيرا كان أم صغيرا سيعرف هذا الشعور جيدا!
.
.
.
ونحن في الطريق !
حيث بدأت أشعر بالاطمئنان لأنني لم أعد وحيدا في الشارع، فكانت هذه عادتي في المشي دائما؛
إما ممسكا بيد أمي، أو بسروال أبي ،
فما كان يفعله أحمد معي بدا لي أمرا مألوفا.
نعم، أسمه أحمد ..
وهكذا بدأ أحمد يطرح علي الأسئلة بادئا بمالذي دعاك للخروج من المنزل؟ فأنت لا تحفظ الطرقات جيدا !
أجبته بانكسار !
كان لدينا ضيوف في المنزل … وكنت أملك ربع دينار، وأردت أن اشتري أي شيء بشدة … لكن أمي رفضت عندما طلبت إذنا منها بالخروج، كنت ارغب في أن اشتري وأن أعود مسرعا لأتقاسم مع أختي ما اشتريته !
لكنها كانت ترفض في كل مرة أطلب إذنا منها إلى أن قرصتني… علمت عندها أنه القرار النهائي ! وأنه لا رجوع فيه .
فما كان لي إلا أن أتسلل كالفئران محاولا الوصول إلى الباب، و أبدأ بالركض … فكانت رغبتي بصرف المال أشد من رغبتي بتذوق ماقد يجلبه المال لي .
لكن وعندما نجحت خطتي، وبدأت أهرول نحو وجهتي، وجدتني في كل مرة أتخيل فيها مافعلته، تزداد هرولتي لتصبح ركضا، فلم اعتد على فعل هذا من قبل !
لم أكن أشعر بالارتياح لما أفعله
نسيت أمر شراء الحلوى
وهممت بالعودة إلى المنزل
كانت تبدو لي كل الشوارع مألوفة لكن الخوف يسيطر علي، كان يحركني في الاتجاه الخاطيء دائما إلى أن ضللت الطريق تماما.
نظر أحمد إلى عيني وقال مسكين يافتى !
لا عليك سأقوم بإيصالك لمنزلك وسأخبر والديك بما حدث لك .
فلعل موقفك يكون مفهوما أكثر .
.
.
.
بدأت حملة البحث عن منزلنا
وظل أحمد يسألني عن هذا الشارع وذاك
وعن الأماكن المعروفة التي يمكن الاستدلال بها لمعرفة مكان بيتنا …
لم يستغرق الأمر كثيرا من الوقت لإيجاد المنزل
تفاجيء صديقي أحمد بالأمر ونظر إلى بكثير من علامات التعجب واضحة على وجهه !
لقد كنا قريبين جدا من هذا المكان !
ألم تستدرك هذا ؟
فأجبت منحنحا رأسي يمينا ويسارا أن لا .
وصلنا إلى باب البيت … وهم أحمد بطرق الباب لكني أوقفته في اللحظات الأخيرة!
فلم يكن الباب مغلقا… لقد كان تماما كما تركته .
وقلت له لا اعتقد بأن أحدا لاحظ غيابي عن المنزل.
دعني أنفذ ذات الخطة لعلي أنجو بها من فعلتي الحمقاء .
شكرت أحمد كثيرا على إنقاذه لكثير من الأشياء وليس إنقاذي فقط .
فحالي كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير من حالي الآن .
ودعت صديقي المنقذ … حمدت الله وهممت بالدخول متسللا كعادتي … راكضا نحو الغرفة … مدككا جسدي تحت الغطاء محاولا النوم … بسرعة لا أريد لأحد أن يتحدث معي فستبدو على وجهي ملامح القلق واضحة وسيستجوبني الكبير والصغير عندئذ … وبعد تثاؤب … ودفء … اعتقد أنني نمت !

كثير من العبر تحملها قصتي الحقيقية .
أهمها !
أي أنه كما أمكن لأحمد الشخص العادي، أحمد الإنسان لا الحيوان، أن يصبح منقذا وبطلا في عيني!
وينقذ فردا من أبناء جيل كامل .
يمكن لأي منا أن يصبح بطلا في عين زوجته وأبناءه وأمه وأبيه وأخته وأخيه و جيرانه وأبناء وطنه … وحتى العالم !
من كان يعرف ماذا كان سيحل بي؟ وسط مجتمع فاسد عاجز لا يبالي بأمور الأخرين ؟
لايبالي لطفل يبكي وينظر في أعين المارة بعينين أغرقتهما الدموع .
لم يبدو حتى ملامح شفقة على حاله … !
لو لم يأتي أحمد، لضاع فرد آخر من بين العشرات الذين ضاعوا ، لأفسد نفسه ونشر الفساد وراح ضحية ذنب لم يرتكبه .
كن بطلا وأنقذه .
لا أعتب على أمي لأنها لم تمنحني الفرصة في الخروج آنذاك .
فما رأيته في الخارج يثير اشمئزازي … بشر … لكن ليسوا ببشر .!

عبدالقادر الإمام
14 إبريل 2016 – عصرا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s